الحسين بن نصر ابن خميس
37
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
قد شغلنا عنك . فلا أدري السّماء رفعتهم ، أم الأرض ابتلعتهم ؟ وغابوا عني ، فلم أرهم ، ونفعني اللّه بهم ! « 1 » وقال : الزّهد ثلاثة أصناف : فزهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالفرض الزّهد في الحرام ، والفضل الزّهد في الحلال ، والسّلامة الزّهد في الشّبهات « 2 » . وقال بقيّة بن الوليد : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : تعلّمت المعرفة من راهب يقال له سمعان ، دخلت عليه في صومعته ، فقلت له : يا سمعان ، منذ كم أنت ههنا ؟ فقال : منذ سبعين سنة . قلت : فما طعامك ؟ فقال : يا حنيفي ، وما دعاك إلى هذا ؟ قلت : أحببت أن أعلم . قال : في كلّ ليلة حمّصة « 3 » . قلت : فما الذي يهيج في قلبك ، حتّى تكفيك الحمّصة ؟ قال : ترى الدّير الذي بحذائك ؟ قلت : نعم . قال : إنّهم يأتوني في كلّ سنة يوما واحدا ، فيزيّنون صومعتي ، ويطوفون حولها يعظّمونني بذلك ، فكلّما تثاقلت نفسي عن العبادة ، ذكرت لها تلك السّاعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة ، فاحتمل أنت يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد . فوقرت المعرفة في قلبي ، ثمّ قال لي : حسبك أو أزيدك ؟ قلت : زدني . قال : انزل عن الصّومعة . فنزلت ، فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمّصة ، وقال لي : ادخل الدّير ؛ فقد رأوا ما أدليت إليك . فلمّا دخلت الدّير اجتمع النّصارى حولي ، فقالوا : يا حنيفي ، ما الذي أدلى إليك الشّيخ ؟ قلت : من قوته . قالوا : وما تصنع به ؟ نحن أحقّ به ، فبعناه . قلت : بعشرين دينارا . فاشتروه ، ثمّ رجعت إلى الشّيخ ، فقال : يا حنيفي ، ما الذي صنعت ؟ قلت : بعته منهم بعشرين دينارا . فقال : أخطأت ، لو التمست منهم عشرين ألف دينار لأعطوك . ثمّ قال : هذا عزّ من لا يعبده ،
--> ( 1 ) الحلية 8 / 25 . ( 2 ) المختار 1 / 245 ، تاريخ دمشق 6 / 298 . ( 3 ) في ( أ ) : في كل ليلة جمعة حمصة .